السيد عبد الأعلى السبزواري
350
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
حتّى غلب على أهل عصره ، وكاد أن يذهب معجزة أنبياء اللّه تعالى رأسا ، فأنزل اللّه الملكين يعلمان النّاس السحر ، ليفرقوا بين الحق والباطل مع تصريحهما لمن كان يتعلمه بأن ما يتعلمه إنما هو لأجل الامتحان والاختبار ، ودفع كيد الشياطين والتفرقة بين الحق والباطل ، وأن السحر كفر فلا تكفر بتعلمك له كما ذكر سبحانه وتعالى بعد ذلك . قوله تعالى : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ . ذكر سبحانه مصداقا من مصاديق السحر لأجل كونه من أهمها الشايع بينهم . قوله تعالى : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ . لفرض أن جميع الموجودات من خيرها وشرها مورد قضائه وقدره فلا يخرج أثر السحر عن تقديره تعالى وقضائه ، لئلا يبطل نظام القضاء والقدر وجعل المسببات مترتبة على أسبابها حسب ما اقتضته الطبيعة ، وما يختاره الفاعل المختار . قوله تعالى : وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ . النفع ما يتوصل به إلى الخير ، فهو خير وضده الضر . وقد استعمل ذلك في القرآن الكريم كثيرا ، قال تعالى : يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ [ سورة الحج ، الآية : 12 ] وهو لفظ عام يشمل جميع موارد النفع في الدنيا والآخرة ، بل يطلق عليه سبحانه وتعالى فمن أسمائه المقدسة ( يا ضار يا نافع ) قال تعالى : وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ [ سورة يس ، الآية : 73 ] ، وقال تعالى : هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [ سورة المائدة ، الآية : 119 ] إلى غير ذلك من موارد الاستعمال في القرآن الكريم ، فيطلق على الواجب والجوهر والعرض في الدنيا أو الآخرة . ثم إنّ النفع والضر إما واقعيان حقيقيان ، وهما المنساقان منهما في استعمالات القرآن . أو وهميان خياليان قال تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [ سورة البقرة ، الآية : 216 ] وغالب أمور الدنيا مبنية على الوهم والخيال .